محمد حسين الذهبي
528
التفسير والمفسرون
أحكامها وحدودها . فراح يتأول آيات الحدود بما يوافق هواه وهوى أصحابه ، فحمل الأمر فيها على الإباحة . . وجعل الأمر في ذلك مفوضا إلى رأى ولى الأمر وحده ، وهو وإن كان قد استعمل الأسلوب اللولبى فيما أبداه ، وطرح الموضوع الذي عالجه في صورة سؤال ألقاه شخص خالى الذهن ليتعرف وجه الحق في المسألة ، هو وإن كان قد فعل ذلك مفضوح أمره فصدر المقال يكشف لنا عن نية صاحبه ، ويفيدنا بكل صراحة أن الكاتب يريد أن يتأول آيات الحدود بحمل الأوامر الواردة فيها على الإباحة ، وإليك ما جاء في هذه المقالة لتقف على حقيقة الأمر ، ولتعرف نية الكاتب وما يهدف إليه في مقاله . قال هذا الكاتب تحت عنوان ( التشريع المصري وصلته بالفقه الإسلامي ) : ( قرأت في السياسة الأسبوعية الغراء مقالا بهذا العنوان « 1 » . حوى أفكارا أثارت في نفسي من الرأي ما كنت أريد أن أرجئه إلى حين ، فإن النفوس لم تتهيأ بعد لفتح باب الاجتهاد ، حتى إذا ظهر المجتهد في هذا العصر برأي جديد ، كتلك الآراء التي كان يذهب إليها الأئمة المجتهدون في عصور الاجتهاد ، قابلها الناس بمثل ما كانت تقابل به تلك الآراء من الهدوء والسكون ، وإن بدا عليها ما بدا من الغرابة والشذوذ ؛ لأن الناس في تلك العصور كانوا يألفون الاجتهاد وكانوا يألفون شذوذه وخطأه ، إلفهم لصوابه وتوفيقه . أما في هذا العصر ، فإن الناس قد بعد بهم العهد بالاجتهاد ، حتى صار كل جديد يظهر فيه شاذا في نظرهم ، وإن كان في الواقع صوابا ، وما أسرعهم في ذلك إلى التشنيع والطعن في الدين ، والمحاربة في الرزق ، فلا يجد من يرى شيئا من ذلك إلا أن يكتمه أو يظهره بين أخصائه ، ممن يأمن شرهم ولا يخاف كيدهم ، وتضيع بهذا على الأمة آراء نافعة في دينها ودنياها ، ولكني سأقدم على ما كنت أريد إخفاءه من ذلك إلى حين ، وسأجتهد ما أمكنني في أن لا أدع لأحد مجالا في ذلك التشنيع الذي يقف عقبة في سبيل كل جديد ) . . . ثم أشاد بما كتبه صاحب المقال المشار إليه ثم قال : ( ولكن يبقى بعدا هذا في تلك الحدود ذلك الأمر الذي
--> ( 1 ) هذا المقال المشار إليه يوجد بالعدد الخامس من السنة السادسة ( سنة 1973 م )